مصر: الاختفاء القسري … الجريمة المسكوت عنها 

efc0c566-8c50-49e0-95c4-660fee351153-e1561195127979.jpg

جنيف- تتورط السلطات المصرية بانتهاكات على نطاق واسع في ممارسة الاختفاء القسري ضد معارضين وناشطي حقوق إنسان وصحفيين ورغم ما يمثله ذلك من جريمة ضد الانسانية وانتهاك صارخ للقوانين الدولية والمواثيق الأممية لحقوق الإنسان الا ان السلطات المصرية تمادت في جرائمها وساعدها على ذلك صمت حلفائها الدوليين.

وعلي الرغم من المطالبات المستمرة للحكومة المصرية بضرورة التوقف عن استخدام الاختفاء القسري، لما يترتب عليه من منع الحماية القانونية عن الأشخاص المختفين وزيادة نسب تعرضهم للتعذيب وسوء المعاملة، إلا أن الممارسات الأمنية تشير وبوضوح إلى نية الأجهزة الأمنية في الاستمرار في استخدام الاختفاء القسري. كذلك فإن استمرار الحملة الأمنية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والمشاركين في التحقيقات في قضايا الاختفاء القسري إنما يشير إلى أسلوب انتقامي من مؤسسات الدولة ضد المؤسسات الحقوقية التي تعمل على توثيق انتهاكات حقوق الإنسان والمشاركين في التحقيقات في قضايا الاختفاء القسري

وتلقى مجلس جنيف للحقوق والحريات شكاوي وإفادات بعشرات حالات الاختفاء القسري في مصر شمل  طلاب ونشطاء ومتظاهرين في سلوك تنتهجه السلطات المصرية لترهيب المعارضين وتكريس قمع الحريات. ولا تظهر السلطات المصرية أدنى مستوى من التعاون مع حالات الإخفاء القسري المسجلة في البلاد بما يثبت تورطها بالتزامن مع تقليص مسـاحة المجتمع المدني واستهداف النشطاء الحقوقيين الذين يعملون على توثيق جريمة الإخفاء القسري من جانب قوات الأمن المصرية

أحدث حالات الإخفاء القسري في مصر تمثلت باختفاء الباحث بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات إبراهيم عز الدين بعد القبض عليه واقتياده لمكان غير معلوم. وألقت قوات الشرطة القبض على عز الدين في القاهرة يوم ١١ حزيران/يونيو ٢٠١٩ بعد إيقافه واقتياده لجهة غير معلومة. وقامت أسرته بإرسال تلغراف للنائب العام لتوثيق واقعة القبض عليه واحتجازه في مكان غير معلوم، كما قام محام المفوضية بتقديم بلاغ للنائب العام في نفس الشأن حمل أرقام 8077 لسنة 2019 عرائض نائب عام، وحمّلت وزارة الداخلية مسئولية أمن وسلامة إبراهيم الشخصية. إلا أنها لم تتلق رداً ولم يستدل على مكانه حتى اللحظة.

من جهته الشاب سيد ناصر محمد الشحات (24 عاما) وهو طالب جامعي، لا يزال مصيره مجهولا منذ اعتقاله في 4 أيار/مايو 2018 بعد اقتحام الأمن المصري منزل عائلته في محافظة الجزيرة. وبعد انتهاء التفتيش تم القبض علي سيد وعندما حاول والده منعهم فأنتهي الامر بالقبض علي الاب و الابن الاخر محمد الا ان الاب ومحمد الابن الاصغر ظهروا بعد 21 يوم من القبض عليهم ومازال سيد قيد الاختفاء القسري ولم تستدل عائلته على مكانة حتى الأنشاب أخر هو العرباض مجدى السيد (25 عاما) من محافظة دمياط، تعرض للاختفاء القسري منذ 21 نيسان/أبريل 2018 أثناء زيارته منزل أحد أقاربه في مدينة دمياط الجديدة.

وقامت أسرته باتخاذ الاجراءات الرسمية و تحرير محضر بقسم الشرطة عن تغيبه, إلا أنه وفي يوم 25 نيسان/أبريل ق2018 امت حملة أمنية باقتحام منزله للسؤال عن سبب تحرير أسرته لمحضر اختفاء واتهامهم بمعرفة مكانه. وقد علمت الأسرة بشكل غير رسمي من اشخاص كانوا محتجزين وتم نقلهم لأحد السجون ووجوده بأحد مقرات الأمن الوطني بمدينة دمياط. أما الشاب أحمد بكر محمد اماره (٢٩ عاما) ويعمل مدرسا، فهو مختفي قسريا منذ 22 ترين أول/أكتوبر 2018، وقد ظهر لاحقا في مقر النيابة العامة في محافظة طنطا وتم اتهامه بالانتماء لتنظيم الدولة الإسلامية دون تقديم أدلة موثقة على ذلك، فيما تنفى عائلته هذه الاتهامات وتقول إنه ليس لديه أي انتماء تنظيمي أو سياسي.

فيما الشاب عبدالله السيد أحمد محمد (26 عاما) من الفيوم، تم اعتقاله من الأمن المصري في 10 آذار/مارس 2018 حيث عرض على النيابة العامة بعد ذلك بنحو أسبوعين ومن ثم ترحيله لسجن (شديد 2) حيث حصل لاحقا على إخلاء سبيل بتاريخ 15 تشرين أول/نوفمبر 2018 من مجمع محاكم طره وتم ترحيله لمركز شرطة الفيوم لينهى اجراءات خروجه لكن تعرض للإخفاء من داخل القسم حتى الآن. وتقول عائلته إنه علمت بشكل غير رسمي أن نجلها معتقلا  لدى الأمن الوطني. كما يستمر اختفاء المهندس محمد الطنطاوي (26 عاما) منذ 5 شباط/فبراير 2019 بعد اقتحام منزله وتفتيش متعلقات شخصية له.

يؤكد مجلس جنيف للحقوق والحريات أن انتهاكات السلطات المصرية لحقوق الإنسان خصوصا الإخفاء القسري لنشطاء حقوقيين وصحفيين ومدونين والمعارضين السياسيين إضافة إلى مواطنين عاديين بلغت مستوى خطير وغير مسبوق في ظل اعتقال المئات من معتقلي الرأي في سجونها بشكل تعسفي ومن دون أي سند قانوني. وأبرز إصدار السلطات المصرية تشريعاً جديداً يسمح بالرقابة الجماعية على منصات الأخبار المستقلة وصفحات تعود إلى جماعات حقوق الإنسان. فمنذ أبريل/ نيسان 2017، حجبت أجهزة الأمن ما لا يقل عن 504 مواقع دون تصريح أو إشراف قضائي. وارتكاب جريمة الإخفاء القسري أصبحت السياسة غير الرسمية للأجهزة الأمنية المصرية، والتي توسّعت مؤخرًا في أعمالٍ للخطف والإخفاء القسري وانتزاع الاعترافات أو المعلومات تحت التعذيب في أماكن الاحتجاز غير الرسمية.

في أيلول/سبتمبر 2018، وثّق التقرير السنوي الصادر عن الفريق الأممي المعني بحالات الإخفاء القسري، استمرار جرائم الإخفاء القسري في مصر، موضحاً أنها تتم بشكل ممنهج بحق العديد من المواطنين، فضلاً عن استهداف الناشطين الحقوقيين الذين يعملون على توثيق هذه الجريمة، مشيراً إلى عمل الفريق على 173 قضية إخفاء قسري في مصر، بينما لم يتم البت في 285 حالة أخرى ما زالت قيد النظر.

كما دان الفريق الأممي اعتقال رئيس رابطة المختفين قسرياً إبراهيم متولي، بمطار القاهرة في 3 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، وهو في طريقه إلى اجتماع مع الفريق في جنيف، معتبراً أنّ التهم الموجهة إليه تشير إلى عمل انتقامي ضده بسبب تعاونه مع إحدى آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وكذلك إلى عرقلة متعمدة لنشاطه المشروع في مجال حقوق الإنسان، للسعي إلى معرفة مصير ومكان وجود نجله، وغيره من الأشخاص المختفين في مصر.

وسبق لمتولي أن أعدّ ملفاً كاملاً عن قضية “الإخفاء القسري” في مصر، لعرضه على مجموعة عمل دولية تناقش القضية، غير أنه اقتيد من المطار إلى مقرّ جهاز الأمن الوطني، وحُرم من الاتصال بذويه أو محاميه، كما جُرّد من جميع ملابسه، وصعق بالكهرباء في أماكن متفرقة في الجسد (مفاصل اليد والصدر والخصيتان)، فضلاً عن سكب مياه باردة على جسده، وصعقه مجدداً، وتصويره من دون ملابس، حسب رواية أسرته.

ويخضع 17 معتقلاً من “رابطة أسر المختفين قسرياً” للمحاكمة أمام محكمة جنايات القاهرة في القضية رقم 900 لسنة 2017 حصر أمن دولة، بحجة انضمامهم إلى الرابطة وترويجهم أخباراً عن انتشار ظاهرة الإخفاء القسري في مصر، والتواصل مع منظمات أجنبية بغرض الإضرار بالأمن القومي المصري، وترويج “شائعات” من شأنها الإضرار بالمركز السياسي للدولة المصرية.

من جهته، كشف فريق منظمة “كوميتي فور جستس” الحقوقية الدولية، نحو 1989 حالة إخفاء قسري في مصر، في الفترة الزمنية بين أغسطس/ آب 2017 وأغسطس/ آب 2018، فيما وثّق “مركز الشهاب لحقوق الإنسان” (منظمة غير حكومية في القاهرة) نحو 5500 حالة إخفاء قسري في مصر، خلال الفترة من يوليو/ تموز 2013 وحتى أغسطس/ آب 2017، منها 44 مختفياً قسرياً تم قتلهم خارج نطاق القانون. وتعدّ البيانات الإعلامية التي تصدرها وزارتا الدفاع والداخلية، سواء المكتوبة أو المصورة، مصدراً مهماً لعائلات ضحايا الإخفاء القسري لمعرفة مصير ذويهم، إذ يظهر فيها بعض المختفين في مقاطع تبثها تلك البيانات الأمنية.

والاختفاء القسري يمثل انتهاكا صريحا للقانون الدولية خاصة المادة (2) من الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي تنص على أن “ممارسة الاختفاء القسري العامة أو المنهجية تعد جريمة ضد الإنسانية”، كما يعتبر الاختفاء القسري جريمة لا تسقط بالتقادم وفقاً للاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري التي تم اعتمادها من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/ كانون الأول 2010، والتي عرّفت الاختفاء القسري بأنه “الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذن أو دعم من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يحرمه من حماية القانون”.

يطالب مجلس جنيف للحقوق والحريات بإرسال بعثة من لجنة الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري التابعة للأمم المتحدة إلى مصر لتفهم الأسباب الأساسية لحالات الحرمان التعسفي من الحرية والاختفاء القسري للنشطاء الحقوقيين والصحفيين والمعارضين السياسيين والضغط على القاهرة لوقف انتهاكاتها لحقوق الإنسان والتي تخالف كافة المواثيق والقوانين الدولية. كما طالب بوجوب ضمان حرية المجتمع المدني في مصر والحماية من الاعتقال التعسفي والاستهداف والتعذيب المنصوص عليها في الدستور المصري والذي يكفل حرية العمل السياسي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

scroll to top